ابن أبي الحديد

401

شرح نهج البلاغة

فإن قلت : إذا لم يكن قبل الأشياء بالزمان ولا بعدها بالزمان ، فهو معها بالزمان ، لأنه لا يبقى بعد نفى القبلية والبعدية إلا المعية ! قلت : إنما يلزم ذلك فيما وجوده زماني ، وأما ما ليس زمانيا لا يلزم من نفى القبلية والبعدية إثبات المعية ، كما أنه ما لم يكن وجوده مكانيا لم يلزم من نفى كونه فوق العالم أو تحت العالم بالمكان ، أن يكون مع العالم بالمكان . ثم قال : ( الرادع أناسي الابصار عن أن تناله أو تدركه ) ، الأناسي : جمع إنسان ، وهو المثال الذي يرى في السواد ، وهذا اللفظ بظاهره يشعر بمذهب الأشعرية وهو قولهم : إن الله تعالى خلق في الابصار مانعا عن إدراكه ، إلا أن الأدلة العقلية من جانبنا اقتضت تأويل هذا اللفظ ، كما تأول شيوخنا قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة ) ( 1 ) ، فقالوا : إلى جنة ربها ، فنقول : تقديره الرادع أناسي الابصار أن تنال أنوار جلالته ! فإن قلت : أتثبتون له تعالى أنوارا يمكن أن تدركها الابصار ، وهل هذا إلا قول بالتجسيم . قلت : كلا لا تجسيم في ذلك ، فكما أن له عرشا وكرسيا وليس بجسم ، فكذلك أنوار عظيمة فوق العرش ، وليس بجسم ، فكيف تنكر الأنوار ، وقد نطق الكتاب العزيز بها في غير موضع ، كقوله : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) ( 2 ) ، وكقوله : ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) . * * *

--> ( 1 ) سورة القيامة 75 . ( 2 ) سورة الزمر 69 .